ابراهيم الأبياري
372
الموسوعة القرآنية
الثانية : وهي تتصل برسم المصحف وبقائه عهدا غير منقوط ولا مشكول إلى زمن عبد الملك ، حتى قام الحجاج بإسناد هذا العمل إلى رجلين ، هما : يحيى بن يعمر ، والحسن البصري ، فنقطاه وشكلاه . وما نرى صحيحا هذا الذي ذهب إليه القراء من تأويلات كثيرة تكاد تحمّل الكلمة عشرين وجها ، أو ثلاثين ، أو أكثر من ذلك ، حتى لقد بلغت طرق هذه القراءات للقراءات العشر فقط تسعمائة وثمانين طريقة . فلقد كان هذا اجتهادا من القراء ، ولكنه كان إسرافا في ذلك الاجتهاد ، وإنك لو تتبّعت ما عقّب به الزّمخشرى في تفسيره على القرّاء لوجدت له الكثير مما ردّه عليهم ولم يقبله منهم . فلقد عقب على ابن عامر ، في قراءته لقوله تعالى : ( وكذلك زيّن للمشركين قتل أولادهم شركاؤهم ) ( الأنعام : 137 ) ، فلقد قرأها ابن عامر ( زيّن للمشركين قتل أولادهم شركائهم ) برفع « القتل » ، ونصب « الأولاد » ، وجر « الشركاء » ، على إضافة « القتل » ، إلى « الشركاء » والفصل بينهما بغير الظرف . فقال الزمخشري : فهذا لو كان في مكان الضّرورات - وهو الشّعر - لكان شيئا مردودا ، فكيف به في الكلام المنثور ، وكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته ، والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف « شركائهم » مكتوبا بالياء . ويعقّب الزمخشرىّ مرة أخرى على أبى عمرو حين يدغم الراء في اللام في قوله تعالى : ( فيغفر لمن يشاء ) ( البقرة : 284 ، آل عمران : 129 ، المائدة : 20 و 43 ، الفتح : 14 ) فيقرؤها أبو عمرو : ( فيغفلمن يشاء ) . ويقول الزمخشري : ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا ، ورواية عن أبي عمرو مخطئ مرتين ، لأنه يلحن ، وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم . وكذلك تتّبع ابن قتيبة القرّاء وأحصى لهم الكثير ، وفي ذلك يقول : وما أقلّ من سلم من هذه الطبقة في حرفه من الغلط والوهم « 1 » . ونحن حين نمكن لهذه القراءات أن تعيش نكون كمن يحاول أن يخرج على ما أراده عثمان ، ومعه علىّ من قبل ، ثم الصّحابة ، على وحدة القرآن تلاوة . هذا بعد أن صح لنا أن هذه القراءات اجتهاد ، وأن رسم المصحف ، وإهماله نقطا وشكلا ، جرّ إلى شئ منها .
--> ( 1 ) تأويل مشكل القرآن ( ص : 43 ) .